ترى الباحثة جورجيا كول أن نتائج مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 2026 كشفت عن اتساع الانقسامات الدولية وتراجع فرص إحراز تقدم حقيقي في ملف نزع السلاح النووي، بعدما أخفقت الدول الأطراف للمرة الثالثة على التوالي في التوصل إلى وثيقة ختامية توافقية تعزز تنفيذ المعاهدة وتحدد مسارها خلال السنوات المقبلة.


وأوضحت في مقال نشره مركز تشاتام هاوس أن مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية اختتم أعماله دون اتفاق جماعي، في مؤشر يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجه نظام عدم الانتشار النووي وسط بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة بين القوى الكبرى.


الحرب على إيران والانقسامات الدولية تعرقل التوافق


أدى الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى تعطيل المفاوضات داخل المؤتمر، حيث عجزت الدول المشاركة عن الاتفاق على صيغة مشتركة تتناول التزامات إيران بموجب المعاهدة ومستقبل امتلاكها للسلاح النووي. كما برزت خلافات أخرى مرتبطة بكوريا الشمالية ومحطة زابوريجيا النووية في أوكرانيا، ما عمّق حالة الانقسام بين الوفود المشاركة.


وكشفت المناقشات عن تحول متزايد في طبيعة مؤتمرات المراجعة، إذ أصبحت ساحة لعرض النزاعات الإقليمية والخلافات الثنائية بدل التركيز على تعزيز أهداف المعاهدة. ويعكس هذا التحول تراجع فاعلية الأطر متعددة الأطراف في ظل تفضيل بعض القوى الكبرى استخدام أدوات الضغط السياسي المباشر لتحقيق مصالحها الأمنية.


أزمة نزع السلاح النووي تتفاقم


حجبت الخلافات السياسية قضية أكثر عمقًا تتعلق بمستقبل نزع السلاح النووي. فقد انتهت صلاحية معاهدة "نيو ستارت" الخاصة بالحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا دون وجود اتفاق بديل، الأمر الذي ترك أكبر ترسانتين نوويتين في العالم خارج أي قيود متفق عليها لأول مرة منذ عقود.


في الوقت نفسه، واصلت الصين توسيع قدراتها النووية بوتيرة متسارعة، ولوّحت الولايات المتحدة بإمكانية استئناف التجارب النووية، بينما أعلنت فرنسا توسيع برنامجها النووي. وفي خضم هذه التطورات، دفعت الدول النووية الخمس المعترف بها داخل المعاهدة نحو حذف أو إضعاف الصياغات التي تدعو إلى مفاوضات جادة بشأن نزع السلاح أو تعزيز الشفافية والمساءلة.


وأثار هذا التوجه مخاوف واسعة لدى الدول غير النووية التي ترى أن التوازن الأساسي الذي قامت عليه المعاهدة يواجه ضغوطًا متزايدة. ويقوم هذا التوازن على تخلي الدول غير النووية عن امتلاك السلاح النووي مقابل التزام القوى النووية بالعمل التدريجي نحو نزع ترساناتها.


مستقبل المعاهدة في مواجهة سباق التسلح


أظهرت المناقشات استمرار تمسك العديد من الدول غير النووية بأهداف نزع السلاح ورفضها العودة إلى التجارب النووية، كما دافعت بقوة عن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. غير أن قدرة هذه الدول على التأثير تبقى محدودة ما لم تُبدِ القوى النووية الكبرى استعدادًا حقيقيًا للاستماع إلى مطالبها والانخراط في حوار جاد.


وتحذر كول من أن السنوات الخمس المقبلة قد تشهد مزيدًا من التدهور إذا استمرت الضغوط المرتبطة بسباق التسلح النووي وتصاعدت مخاطر الانتشار. ورغم أن معاهدة عدم الانتشار حققت نجاحات مهمة تاريخيًا وساهمت في الحد من عدد الدول المالكة للأسلحة النووية، فإن استمرار الإخفاقات المتتالية في مؤتمرات المراجعة يهدد مصداقيتها وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار الدولي.


وترى الباحثة أن إنقاذ المعاهدة يتطلب تعزيز الحوار بين الدول النووية الكبرى عبر الآليات الدبلوماسية القائمة، وإحياء إجراءات بناء الثقة والشفافية، إضافة إلى تنسيق جهود الدول غير النووية للضغط بصورة أكثر فاعلية من أجل حماية نظام عدم الانتشار النووي. وتؤكد أن نافذة تصحيح المسار لا تزال مفتوحة، لكنها تضيق بسرعة مع استمرار الأزمات الدولية وتزايد التحديات الأمنية المرتبطة بالأسلحة النووية.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/06/global-cooperation-nuclear-disarmament-looks-even-further-away